محمد طاهر الكردي

132

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي أرسله اللّه تعالى رحمة للعالمين ، من آباء طاهرين وأمهات طاهرات ، ولسنا نذهب بعيدا ونحصر الأدلة على ذلك حتى لا يطول بنا الكلام ، ولكن يكفي أن نذكر ما كان عليه الجد الأول القريب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو " عبد المطلب " فلقد كان على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام يعتقد بالبعث والجزاء ، وكان قد حرّم الخمر ، ونكاح المحارم والزنا ، ومنع وأد البنات ، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ، ويحثهم على مكارم الأخلاق ، وكان كريما يطعم المساكين ، بل يطعم حتى الطير والوحش في رؤوس الجبال ، ولقد هداه اللّه تعالى إلى موضع بئر زمزم بعلامات رآها في المنام ، فحفرها وأخرج منها الغزالين الذهب والسيوف والدروع التي دفنتها جرهم في البئر - ومن تأمل قصة عبد المطلب مع أصحاب الفيل علم قوة إيمانه باللّه تعالى ويقينه ، فإنه لما أخذ رجال أبرهة مائتي إبل لعبد المطلب استاقوها من الحرم ، وراجع عبد المطلب أبرهة ليأمر برد إبله إليه ، فقال له أبرهة ملك الحبشة : أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه ، فأجابه عتبد المطلب : أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه ، قال أبرهة : ما كان ليمتنع مني ، قال : أنت وذاك ، ثم أمر أبرهة برد إبل عبد المطلب إليه ، ثم رجع عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في الجبال والشعوب - ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة الكعبة وصار يدعو ربه الكبير المتعال ويقول : يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا * فامنعهم أن يخربوا قراكا فتأمل رحمنا اللّه تعالى وإياك كيف أن عبد المطلب التجأ إلى اللّه تعالى رب هذا البيت العظيم ، ولم يلتجأ إلى صنم ولا وثن ، فحفظ اللّه بيته وحرمه وأهله ودمّر أصحاب الفيل شر تدمير . وهذا عبد اللّه بن عبد المطلب والد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إنه على دين أبيه وأخلاقه كأخلاق أبيه ، لا يقرب الحرام ولا يقترف الآثام ، وأعظم دليل على ذلك قصة الخثعمية معه ، فإنه مر يوما على فاطمة بنت مرة الخثعمية وكانت من أجمل النساء ، فدعته إلى نفسها فامتنع عنها وقال : أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه * يحمي الكريم عرضه ودينه